حبيب الله الهاشمي الخوئي

54

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

. * ( وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ ) * فسمّى اللَّه سبحانه الأعمال التي كلَّفها العبد عقبات تشبيها بالعقبات والجبال لما يلحق الانسان في أدائها من المشاق كما يلحقه في صعود العقبات وقطعها . وقال أمير المؤمنين عليه السّلام انّ أمامكم عقبة كئودا ومنازل مهولة لا بدّ من الممرّ بها والوقوف عليها ، فاما برحمة اللَّه نجوتم وإما بهلكة ليس بعدها انجبار . أراد عليه السّلام بالعقبة تخلص الانسان من العقبات التي عليه ، وليس كما ظنّه الحشوية من أنّ في الآخرة جبالا وعقبات يحتاج الانسان إلى قطعها ماشيا وراكبا وذلك لا معنى له فيما توجبه الحكمة من الجزاء ولا وجه لخلق عقبات تسمّى بالصلاة والزكاة والصيام والحجّ وغيرها من الفرائض يلزم الانسان أن يصعدها فإن كان مقصّرا في طاعة اللَّه حال ذلك بينه وبين صعودها . إذ كان الغرض في القيامة المواقفة على الأعمال والجزاء عليها بالثواب والعقاب وذلك غير مفتقر إلى تسميته عقبات وخلق جبال وتكليف قطع ذلك وتصعيبه وتسهيله مع أنه لم يرد خبر صحيح بذلك على التفصيل فيعتمد عليه وتخرج له الوجوه ، وإذا لم يثبت بذلك خبر كان الأمر فيه ما ذكرناه ، انتهى كلامه رفع مقامه . واعترض عليه المحدّث العلامة المجلسىّ في البحار بعد نقله له بقوله : إن تأويل ظواهر الاخبار بمحض الاستبعاد بعيد عن الرّشاد ، وللَّه الخيرة في معاقبة العاصين من عباده بأىّ وجه أراد ، وقد مضى الأخبار في ذلك وسيأتي بعضها واللَّه الموفّق للخير والسّداد ، هذا . ولمّا حذّر من عقبات الآخرة ومواقفها المهولة المقتضية لأخذ الزّاد لها ، عقّبه بالإشارة إلى قرب الموت المعقّب لهذه الأهاويل والعقبات وكونه بالرّصد والتّرقّب والاخترام تنبيها به على وجوب المبادرة بأخذ الزّاد لقرب الحاجة إليه وعلى عدم التّوانى والتّسويف فيه بتوهّم بعد زمان الاحتياج فقال : ( واعلموا أنّ ملاحظ المنيّة نحوكم دائبة ) أي مجدّة يعنى أنّها تنظر إليكم باللَّحظ والشّرز أي بمؤخّر عينها نظر الغضبان مجدّة فيه قصدا لاخترامكم .